الطبراني

486

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( 39 ) ؛ وذلك أنّ يوسف عليه السّلام رأى أهل السّجن وبين أيديهم أصنام يعبدونها ، فدعاهم إلى الإسلام وألزمهم الحجّة ، فقال لهم : أرباب متفرّقون شتّى لا تضرّ ولا تنفع خير أم اللّه الواحد القهّار الذي لا ثاني له ؟ ثم بيّن عجز الأصنام وضعفها فقال : ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ؛ آلهة من غير أن يكون لتلك التسمية حقيقة ، ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ أي من حجّة وبرهان ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي ما القضاء والأمر والنّهي إلا للّه ، أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ . قوله تعالى : ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ؛ أي الذي أدعوكم إليه هو الدّين القائم الذي يرضاه لا عوج فيه ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 40 ) . قوله تعالى : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ؛ معنى الآية : أما أحدكما وهو السّاقي ، فيسقي سيّده يعني الملك خمرا ، وأما العناقيد الثلاثة التي رآها فإنّها ثلاثة أيام يبقى في السجن ، ثم يخرجه الملك ويعود في ما كان عليه ، وأما الآخر فيصلب والسّلال التي رآها فإنّها ثلاثة أيّام يبقى في السجن ، ثم يخرجه الملك في اليوم الرابع فيصلبه فتأكل الطير من رأسه . فقال الخبّاز : إنّي لم أر شيئا ، فقال لهما يوسف : قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ( 41 ) ؛ أي فرغ من الأمر الذي سألتما عليه فهو كائن ، رأيتما أو لم تريا . قوله تعالى : وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ أي قال يوسف للذي علم أنه ناج منهما ، وهو صاحب الشّراب : أذكرني عند سيّدك الملك أنّي مظلوم ، عدا عليّ إخوتي فباعوني وأنا حرّ ، وحبست في السجن . قوله تعالى : فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ؛ أي أنسى الشيطان السّاقي أن يذكر يوسف عند الملك ؛ أي شغله عن ذلك بما كان يدعوه إليه من اشتغاله بركوب سوأته وخدمته للملك . وقيل : معناه أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه حتى